|
نقلاً عن جريدة

مقالات دينية
الكاهن..كمعلم وواعظ
(الجزء الأول)
|
بقلم قداسة: البابا شنودة الثالث
|
|
 |
قال الرب الإله هلك شعبي من عدم المعرفة (هو 4: 6)
وحقا أن كثيرا من الناس يضيعون عقائديا أو لاهوتيا
أو روحيا, نتيجة للجهل وعدم المعرفة الكافية, حيث
تكتسحهم الشكوك من البدع والهرطقات لعدم قدرتهم على
الرد أو مناقشة ما يتعرضون له من عقائد غريبة,
فينتهي بهم الأمر إلى الانضواء تحت لواء
طوائف أخرى, وتفقدهم الكنيسة ويفقدهم الله.
والكاهن هو المسئول عن التعليم لأنه
من فم الكاهن تطلب الشريعة (ملا 2: 7). وتقول الدسقولية
إن الأسقف راع, والكاهن معلم, والشماس خادم. فينبغي أن
يكون صالحا للتعليم, وأن يحمي أولاده بالرد على كل
سؤال روحي, وكل مشكلة اجتماعية, وكل شكوك عقائدية, كما
قال القديس بطرس الرسول مستعدين في كل حين, لإجابة كل
من يسألكم عن سبب الرجاء الذي فيكم ( 1بط 3: 15).
ليس فقط حينما يقف الكاهن على المنجلية واعظاً.
بل في كل حين..فما معني ذلك؟ معناه أن الكاهن
قد يكون جالسا وسط الناس في أي وقت ,فيقدم واحد منهم
سؤالا أو استفسارا عن أمر من الأمور, عقيدة أو طقس, أو
مسألة روحية, أو مشورة من جهة رأي قوانين الكنيسة في
موضوع معين, أو بخصوص تفسير آية
غموض عليه فهمها, وهو يعتبر الأب الكاهن مرجعية في كل
هذه الأمور. فهل يصمت الكاهن ولا
يجيب
أو يقول إنه لا يعرف, أو يجيب أية إجابة صادقة أو خاطئة
تعثر السامع على الأقل لا تقنعه؟!
ونفس الأمر قد يتعرض له الأب الكاهن أثناء زيارة أو
افتقاد, أو في اجتماع ما.
فماذا يقول؟
لذا يجب أن يداوم الكاهن الدراسة والبحث في كل نواحي
العلوم الدينية.
لأنه لم يعد مسئولا عن تثقيف نفسه فقط, وإنما هو مسئول
عن كل شعب كنيسته.
من الناحية الإيجابية لكي يشبعهم من كل معرفة.ومن الناحية
السلبية لكي يبعد عنهم كل الشكوك.
كذلك فالكاهن الصالح للتعليم, يصلح كأب اعتراف.
لأنه كثيرا ما يتعرض أثناء تلقي الاعترافات لأسئلة من
أبنائه المعترفين عليه:ليس في الروحيات فقط,إنما أيضا
من جهة قراءاتهم وما يتعرضون له من أسئلة ومن شكوك. فإما
أن يجيبهم مباشرة, أو يحيلهم إلي مراجع فيه الإجابة عن
تساؤلاتهم. ومعرفة الكتب والمراجع وما
تحويه هو من الأمور اللازمة للكاهن في الإرشاد.
لا تظنوا أن الدراسة اللاهوتية لازمة فقط كمؤهل للكهنوت,
إنما هي أيضا لازمة بالأكثر بعد السيامة الكهنوتية.
فالمطلوب من الكاهن هو أوسع بكثير من حدود المقررات العلمية
في كليات اللاهوت, والدراسة في علوم الدين لا تقف عند
حد. وما يتعرض له الكاهن من أسئلة,
ربما لا يكون قد تلقاه في دراساته اللاهوتية.
أو ربما يكون من تلقته ونسيه.....
لذلك ينبغي أن يستمر الكاهن في حياة التلمذة, ولا يتوقف
مطلقا, بل يزداد معرفة يوما بعد يوم. وبخاصة لأن كثيرا
من الخدام في الكنيسة يداومون القراءة,والكتب قد كثرت
جدا. ومن الجائز أن بعض ما فيها يثير العديد من التساؤلات
التي تحتاج إلي رد.
كذلك فإن كثرة القراءة تجعل عظاته دسمة ومشبعة.
لأن العظة هي محصلة لكل معلومات الكاهن. لا تقتصر فقط
على بعض معلومات روحية, وإنما يزودها بكل ما يتعلق بها
من أقوال الآباء, أو قصص القديسين, أو ما يثيره فصل العظة
من أمور عقائدية أو لاهوتية أو طقسية, مع ما يثبتها
من آيات الكتاب المقدس. وهكذا تكون العظة جامعة لمعارف
متعددة,
يخرج فيها من كنزه جددا وعتقاء (مت 13: 52)
ومن أهمية التعليم, ما ينصح به الآباء
الرسل:
يقول القديس بولس لتلميذه تيموثاوس الأسقف لاحظ
نفسك والتعليم وداوم على ذلك. فإنك إن فعلت هذا تخلص
نفسك والذين يسمعونك أيضا (1تي 4: 16). وقوله أيضا للقديس
تيطس أسقف كريتوأما أنا فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح (تي
2: 1).
وأعرف أنه لما ضعف التعليم في الكنيسة, قويت الطوائف على
اختراقها.
بينما العكس صحيح: كلما كانت الكنيسة قوية في التعليم, كلما
استطاعت أن تصد ذلك المد الغريب. وهكذا رأيت كيف استطاعت
الكنيسة أن تقوم البدع والهرطقات عن طريق نشاطها في
التعليم, سواء من على المنبر في
الكنيسة, أو في الاجتماعات العامة, أو اجتماعات الشباب, أو
في مدارس الأحد, أو عن طريق الكتاب.
وينبغي أن يكون الكاهن مشرفا على كل ذلك لا بأسلوب
التسلط,
إنما برعاية أبوية محببة للنفس.
ولا يستطيع أن يتمكن من هذا الواجب, إلا إذا كان
موثوقا به من جهة المعرفة الدينية, وكان خادما للكلمة, وقادرا
على إشباع أولاده في كل علم ومعرفة, مجيبا على كل
سؤال بإقناع. وأيضا يعرف أن يتكلم كل مجموعة من شعبه
باللغة التي تناسبهم. ويكون نبعا عذبا يفيض على الكل.
وينبغي أن تكون آيات الكتاب حاضرة في ذهنه.
وحاضرة أيضا على لسانه, يذكرها في موضعها, فتنطبق تماما
على الموضوع. والمعروف أن كلمة الله حية وفعالة وأمضي
من كل سيف ذي حدين (عب 4: 12). وبها يقنع غيره بسهولة. ولا
ترجع الكلمة فارغة (أش 55: 11). بل تعمل وتنجح, وتأتي بثمرها
في القلوب. وهكذا كان يعلم السيد المسيح,
فإذا به يتكلم بسلطان وليس كالكتبة (مت 7: 29).
كلمته لها سلطان على القلوب.
مثل هذا الكاهن, تعليمه يدعو الناس إلي الثقة به.
ويدعوهم إلي احترام رأيه وفكره, ويرون أن تعليمه ليس من
فراغ, بل هو مستند على تعليم الكتاب, وعلى تعليم الآباء
الكبار المعترف بهم في الكنيسة كمعلمين...
وتعليم الكاهن على نوعين:أحدهما مباشر, والثاني غير مباشر.
أما المباشر فهو عن طريق الوعظ
والكلمة التي تخرج من
فمه. وكلما كانت عظاته مشبعة, كلما أقبل الناس على الكنيسة
لسماعه, لشعورهم بالفائدة التي يستفيدون من كلماته. ويرون
أنهم في كل مرة يأخذون منه شيئا جديدا ما كان يعرفونه
من قبل. وأنه بعظاته يبنيهم روحيا وفكريا. فمعلوماتهم تزيد
باستمرار.
وحياتهم الروحية تقوي على
يديه.
وعلي الكاهن أن يكون أمينا في تحضير عظته
والشعب حساس يستطيع أن يدرك إن كانت العظة محضرة,
ومنظمة, ومملوءة من المعلومات, أم هي مجرد كلام لا جديد
فيه, ولا رابطة تربط معلوماته.
إن الكاهن الذي يهتم بتحضير عظته, إنما يحترم عقول سامعيه, ويحترم
ما يبذلونه من وقت وجهد في الحضور إلي الكنيسة لكي
يستفيدوا ويشبعوا من كلمة الله, فلا يصح أن يصرفهم فارغين. كما
أنه بتحضير العظة يكون أمينا للمسئولية التي ائتمنه الرب
عليها في تعليم أولاده والاهتمام بهم.
الكاهن المهتم بشعبه, يحضر عظاته وفقا لاحتياجهم.
يعرف حالة الشعب, وما يلزمه من معرفة, ويستوفي كل ذلك
ببرنامج منظم. كما يعرف الضعفات الروحية العامة, ويقدم
علاجا لها في عظاته,
بأسلوب عملي يستطيع الناس أن يمارسوه.
ولا مانع
أن يدرس في سبيل ذلك كل ما كتبه غيره من المختصين
في هذا المجال. كذلك يعرف احتياجات شعبه من جهة العقيدة
والطقس, وتاريخ الكنيسة وسير القديسين.
وحذار أن يظن البعض أن التحضير ضد كرامته الشخصية.
بحيث أنه أصبح فوق مستوي التحضير,
لأن جميع المعلومات حاضرة في ذهنه لا تحتاج إلي
تحضير!! حتى لو كانت كل المعلومات حاضرة, هي محتاجة إلى
ترتيب وإلي استعادة استذكار لئلا تنسي. وتحتاج إلي تنسيقها
بأسلوب مقبول....وعمليا لا نستطيع أن نقول إن كل المعلومات
حاضرة في ذهن الكاهن في كل وقت..
وأنها كاملة لا ينقصها المزيد..! على الأقل بالتحضير
يقاوم نسيانه لبعض الأفكار الهامة.
والمسألة ليست مسألة كرامة, وإنما هي الفائدة التي
تقدم للشعب. إن الوعظ ليس هو كرامة, وإنما
هو واجب يراد به تقديم أفضل ما يمكن للسامعين, من أجل
أن نفهم الروحي, ومن أجل تثبيتهم في الإيمان,
لا يصح
أن يفكر الكاهن فيما يقال عنه من جهة تقدير الناس
لمعلوماته.
إنما عليه أن ينسي نفسه تماما, ويركز على الفائدة
التي يحصل عليها الشعب من العظة, ويكون أمينا في ذلك
كخادم للكلمة, وليس لكرامته.
وعلي الكاهن أن يراعي في عظته وقت السامعين.
فلا يطيل بالطريقة التي تجعلهم يملون, أو تعطلهم عن مسئوليتهم
في العمل أو في الأسرة. ولا يقصر بطريقة لا توفي الموضوع
حقه.
وعليه أن يركز نظره على السامعين, ليدرك
مدي استجابتهم. وهل هم متقبلون ما يقول ومتشوقون إلي
المزيد, أم أن القلق بدأ يظهر على ملامحهم, وأصبح البعض
منهم ينظرون إلي ساعاتهم, ومشاعرهم تهتف: متي تنتهي العظة؟!.
الرعاية (7)
الكاهن..كمعلم وواعظ
(الجزء الثاني)
وينبغي على الكاهن في عظته ألا يجرح شعور أحد.
وبخاصة في الموضوعات التي يتعرض لنقدها، وتحذير الناس
منها.
لا يصح أن يستخدم التهكم الجارح، أو النقد اللاذع، أو
أسلوب الشتائم والإقلال من شأن الناس، بأسلوب منفر،
خال من الرقة، كأنه سهام موجهة إلي البعض...فإن
هذه الطريقة قد تجعل البعض يبعد عن الكنيسة، أو
يظن أن الأب الكاهن يقصده بالذات لتجريحه أو لإهانته
أمام الشعب...
ولا يجوز للكاهن أن يحتج بأن له سلطة أن يوبخ!
ويتمسك باستمرار بقول الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف
عظ، وبخ، انتهر(2 تي 4: 2). فالرسول يقول بعدها بكل
أناة وتعليم.
وهذا الرسول نفسه في كلامه مع شيوخ أفسس قال لهم
إنه قضي بينهم ثلاث سنوات، لم يفتر أن ينذر بدموع
كل أحد (أع 20: 31).
إنه ينذر بدموع، وليس بالإهانة والتجريح.
إن
الكلمة الروحية الإيجابية في تعليم أقوي بكثير وأعظم
تأثيرا من الإهانات في العظات...
وأعرف أن العادة الرديئة التي تريد إبعاد الناس عنه،
قد تحتاج إلي وقت. وتحتاج أيضا إلى معونة إلهية
وعمل من النعمة، لكي يتخلص البعض منها. وليس بمجرد
شتيمة الواقعين تحت أسرها سيبطلونها، ربما تحتاج أيضا
إلي صلاة منك لأجل هؤلاء.
والقديس بولس الرسول يقول: اذكروا المقيدين كأنكم
مقيدون معهم. واذكروا المذلين كأنكم أنتم أيضا في
الجسد (عب 13: 3).
وأعلم أيضا أنه من ضمن تحضير العظة، تحضير روحك
لإلقائها.
فالعظة ليست مجرد كلام يقال، إنما هي بالأكثر تأثير
في النفوس. وهذا التأثير ينبع من روحك ومدي صلتها
بالله، ومدي عمل الله في الكلمة.
تصور أن القديس بولس الرسول العظيم، يقول في رسالته
إلي أهل أفسس صلوا لأجلي، لكي أعطي كلاما عند
افتتاح فمي....(أف 6: 19).
ينبغي للكاهن أيضا أن يحترم رسالة المنبر.
فالمنبر هو مكان التعليم، هو لخدمة الكلمة فقط...
ليس هو لتصفية حسابات مع بعض الناس، ولا هو لسياسة
معينة يريدها الكاهن. ليس هو لعرض مشاكله مع مجلس
الكنيسة أو مع التربية الكنسية، أو مع أي أحد من
الناس.
وليس المنبر مجالا للإعلان عن نفسه، ولا للدفاع عن
نفسه، إنما هو رسالة روحية وكلمة منفعة. وقد يحضر
الكنيسة كثيرون لا علاقة لهم إطلاقا بشيء من المشاكل
التي يعرضها الكاهن، فيعثرون أو على الأقل لا يستفيدون
شيئا لبنيانهم الروحي.
أيضا منبر التعليم ليس لنشر أفكار خاصة.
إنما هو لنشر فكر الكنيسة وعقيدتها وتعليمها. أما
الذي له فكر خاص أو عقيدة خاصة، فليس له أن
يجعلها عقيدة عامة للكنيسة الجامعة. ليس هذا من حقه
ولا من سلطانه. وإذا نشر كل كاهن أفكاره الخاصة
التي ليست من عقيدة الكنيسة، فإن هذا يقود إلي
البلبلة، وربما إلي البدعة أو الهرطقة...
إن المجمع المقدس وحده هو الذي يقدم التعليم للكنيسة.
وإن كان ذلك يمس شيئا جديدا، فإن المجمع المقدس لا
يعلن ذلك إلا بعد دراسة مستفيضة، وبعد مداولة بين
أعضائه، واستنادا على تعليم الكتاب المقدس وعلى أقوال
الآباء.
وإن كان الكتاب قد قال إنه من فم الكاهن تطلب
الشريعة (ملا 2: 7)، فمعنى ذلك الشريعة المستقرة في
الكنيسة وفي الكتاب المقدس والتقاليد المعترف بها، وليس
معنى ذلك الشريعة حسب المفهوم الخاص للكاهن!! فالمفهوم
الخاص قد يختلف من شخص لآخر.
وليحترس الكاهن من نشر كل ما يقرأه في الكتب، وبخاصة
الكتب الأجنبية.
ففي الغرب، تنتشر حرية الفكر إلي درجة رفض بعض
تعليم الكنيسة الجامعة، بل ورفض بعض تعاليم الكتاب
المقدس!! وتوجد انحرافات كثيرة، واتجاهات عقائدية
متعددة، وكل إنسان يقول ما يريد، ويعلم بما
يريد.ونتيجة لهذا تعددت المذاهب واختلفت.. ووجد بينهم
ما يعرف باسم النقد الكتابي
Biblical Criticism.
فاحترس من تلك الكتابات الأجنبية، سواء بلغتها أو
مترجمة أو مقتبسة...
ولا تعلم بشئ إلا بما تسلمته من الكنيسة. وفي هذا
يقول القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس الأسقف:
وما تسلمته مني بشهود كثيرين، أودعه أناسا أمناء،
يكونون أكفاء أن يعلموا آخرين أيضا (2 تي 2: 2)
ما أكثر الذين أضروا الكنيسة، نتيجة لنشر أفكارهم
وعقائدهم الخاصة، أو نتيجة لإعجابهم بأفكار جديدة
أحبوا أن يبهروا الناس بها دون أن يدركوا مدي
صحتها أو مدي خطورتها!!
وكان وراء ذلك شيء من الإعجاب بالنفس، أو من
الكبرياء التي تظن أنها تعرف ما يعرفه الغير، أو
تريد أن يعرف الناس أنها تعرف ما لا يعرفه
الآخرون.
أو قد يحدث هذا نتيجة لعدم احترام الكنيسة وتعليمها!!
لذلك كل فكر جديد يأتيك، أعطه فترة حضانة حتى يستقر
على قواعد لاهوتية ثابتة.
وحتى يستقر على أساس من الكتاب ومن تقليد الكنيسة
ومن تعليم الآباء. ولا تنشره بسرعة وتجعل الآخرين
يعتنقونه. وبهذا تضر نفسك والآخرين معك. ولا مانع من
أن تستشير ذوي المعرفة والدراية. وأن تبحث فالتعليم
لا يوافقه التعجل إطلاقا.
كما أن بعض الكهنة يتعرضون في تعليمهم لأمور ليست
من اختصاصاتهم.
ويبدون في هذه الأمور رأيا ارتجاليا أو عفويا، كثير
ما يكون موضعا للنقد!! فإن سئلوا سؤالا حتى في
الذرة، أو في علوم الفضاء، أو في مسائل طبية أو
علمية دقيقة، وما أشبه ذلك...لا مانع عندهم من
الإجابة وباستفاضة، حتى لا يصفهم السامع بالجهل!
معروف أنه لا يوجد إنسان متخصص في جميع العلوم
والمعارف، وإلا فما معني عبارة (التخصص). ومعروف أيضا
أن المجال العلمي للكاهن، ليس في أمثال هذه الأمور.
فإن صمت الكاهن في مثل هذه الموضوعات، لا يعتبر
هذا عيبا فيه ولا يلومه أحد.
وفي هذا المجال ما أجمل قصة القديس الأنبا أنطونيوس
حينما قدم سؤالا لبعض تلاميذه، فأجاب منهم من أجاب،
أما القديس الأنبا يوسف، فقال لا أعرف. حينئذ قال
له القديس الأنبا أنطونيوس طوباك يا أنبا يوسف، لأنك
عرفت الطريق إلي كلمة: لا أعرف..
بعض الكهنة يتعرضون في عظاتهم لأمور اجتماعية، ويتدخلون
في تفاصيل يجعل مستوي العظة يهبط.
لذلك أرجو ــ حينما تتكلمون في أمور اجتماعية أو في
علاقات أسرية ــ أن تراعوا المستوي الروحي للعظة،
ولا تتعرضوا لها إلا بأسلوب روحي له سموه وله
وقاره.وفي تحفظ وباختصار...
كذلك في التعليم الروحي، لا تحملوا الناس أحمالا
عسرة الحمل.
فعن هذا الأمر وبخ السيد الرب الكتبة والفريسيين،
لأنهم يحزمون أحمالا ثقيلة عسرة الحمل، ويضعونها على
أكتاف الناس، وهم لا يريدون أن يحركوها بأصبعهم (مت
23: 4). وقال لهم ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون
المراؤون، لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس. فلا
تدخلون أنتم، ولا تدعون الداخلين يدخلون (مت 23: 13).
وقد راعي الآباء الرسل هذا الأمر في أول مجمع مقدس
لهم في أورشليم فيما قرروه على الأمم. فقد بدئوا
قرارهم بقولهم قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع
عليكم ثقلا أكثر غير هذه الأمور الواجبة...(أع
15: 28).
وأعلم أن العظة موجهة إلي الناس عموما. وليس الجميع
في مستوي روحي عال.
فالمستويات الروحية العليا يمكن أن تقال لمجموعات معينة
تستطيع السلوك فيها، أو يمكن أن تعطي عن طريق
جلسات الاعتراف للذي يقدر عليها. وغير ذلك يمكن أن
تقدم في أسلوب من التدرج، حتى في العظات العامة
بحيث تقول إن هذا هو المستوي العالي. والخطوة الأولى
إليه هي كذا وكذا.
وينطبق هذا أيضا في أمور عديدة من الوسائط الروحية
مثل الصلاة والصوم والتجرد وما إلي ذلك. تذكر قول
القديس بولس الرسول:
سقيتكم لبنا لا طعاما، لأنكم لم تكونوا بعد
تستطيعون...(1كو 3: 2).
فالكاهن الحكيم هو الذي يتدرج مع شعبه لكي يوصلهم،
دون أن يضغط عليهم بوصايا فوق احتمال قدرتهم، فيفشلون
من أول الطريق أو ييأسون...
ولا يجوز للكاهن أن يصدر أحكاما صعبة ضد الذين لا
يستطيعون، ويصفهم بأوصاف جارحة لهم، كما قال فرعون
للشعب متكاسلون أنتم متكاسلون (خر 5: 17).
كل إنسان له ظروفه الخاصة: سواء ظروفه الصحية، أو
ظروف عمله، أو مدي فهمه الروحي ومدي تدربه على
الروحيات. فالمبتدئ في هذه الأمور غير الناضج، غير
الذي يسير في طريق الكمال. فعاملو الناس برفق وطول
أناة.
الكاهن...كمعلم وواعظ
(الجزء الثالث)
مركز الوعظ والتعليم في الكنيسة المقدسة
الرب إلهنا الذي تأسف قائلا: قد
هلك شعبي من عدم المعرفة (هو4 :6),
قد جعل التعليم أساسا مهما لنشر ملكوته على الأرض.
تولى عمل التعليم بنفسه, ولقبوه بالمعلم,
وأرسل أنبياءه ورسله ليكونوا معلمين.
وبهذا صار التعليم هو العمل الرئيسي لخلفاء الرسل من
الأساقفة ومن يعاونهم من رجال الإكليروس. كما صار التعليم
جزءا مهما من طقس الكنيسة وصلواتها...
الكرازة والتعليم هما عمل الرب نفسه:
المسيح إلهنا المذٌخر فيه كنوز الحكمة والعلم (كو2 :3),
جال في العالم معلما. فبعد
القبض على يوحنا ابتدأ يسوع يكرز ويقول:
توبوا لأنه اقترب ملكوت السموات
(مت4 :17).
ويقول عنه متي الرسول: كان يسوع
يطوف المدن كلها والقري: يعلم في
مجامعها, ويكرز ببشارة الملكوت,
ويشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب (مت 9 :35).
ولما أكمل أمره لتلاميذه ألاثني عشر,
انصرف من هناك, ليعلم ويكرز
في مدنهم (مت 11 :1). ولما فتش عنه
الجموع قال لهم: إنه ينبغي لي أن
أبشر المدن الأخري أيضا بملكوت الله,
لأني لهذا قد أرسلت... (لو 34: 43).
وقال إنه انطبق عليه قول الكتاب:
روح الرب علي لأنه مسحني لأبشر المساكين,
وأكرز بسنة الله المقبولة (لو 4 :18).
والرب من فرط إهتمامه بالتعليم,
دعي المعلم:
كان الجميع يدعونه المعلم. في حادثة
المرأة الخاطئة قال له الكتبة والفريسيون:
يا معلم, هذه المرأة أمسكت
وهي تزني (يو 8 :4). وفي أول حديث
له مع تلميذي يوحنا, قالا له:
ربي - الذي تفسيره يا معلم - أين تمكث (يو 1: 38). وهكذا
نادته المجدلية ربوني, الذي تفسيره يا معلم (يو 20: 16).
وفي أول مقابلة له مع نثانائيل قال له يا معلم
أنت ابن الله (يو 1: 49).
والتلاميذ عموما كانوا ينادونه هكذا.
فعندما رأوا المولود أعمي قالوا للرب:
يا معلم, من أخطأ هذا الإنسان
أم أبواه؟ (يو 9: 20).
والرب وافق على هذا اللقب, ودعا
نفسه به.
ومن أمثلة هذا, أنه ما حل الفصح, قال
لتلاميذه: اذهبوا إلي المدينة إلي
فلان, وقولوا له المعلم يقول إن وقتي قريب (مت 28: 16).
وفي صراحة قال أيضا للتلاميذ بعد غسله لأرجلهم:
أنتم تدعونني معلما وسيدا, وحسنا تقولون لأني أنا
كذلك (يو 13: 13).
لذلك كان المؤمنون يدعون تلاميذه,ولما رأي اليهود أن
المولود أعمي قد آمن بالمسيح شتموه قائلين:
أنت تلميذ ذاك. وأما نحن فتلاميذ
موسي (يو 9: 28). إن الحياة المسيحية
هي تلمذة للرب. والرب هو المعلم.
وكان السيد المسيح كمعلم, ينسب تعليمه
للآب ذاته:
فهو يقول علانية: تعليمي ليس لي,بل
الذي أرسلني (يو7: 16). وفي صلاته
الوداعية يقول للآب: الكلام الذي أعطيتني, قد
أعطيتهم (يو17: 8).
الكرازة والتعليم هما عمل الرسل القديسين
ماذا كان عمل الأنبياء القديسين سوي التعليم؟
هكذا كان عمل نوح وموسي وإيليا ودانيال وإرمياء. وسائر
الأنبياء: يحملون كلمة الله للناس, ويعلمونهم طرقه...وكتب
الأنبياء كلها,يقول بولس الرسول إنها كتبت لأجل تعليمنا
(رو 15: 4).
هكذا كان أيضا عمل يوحنا المعمدان:
كان صوت يصرخ في البرية: أعدوا طريق الرب. اصنعوا سبله
مستقيمة (مر 1: 3).
وقد أورد لوقا البشير قبسا من عظاته ختمها بقوله:
وبأشياء أخري كثيرة كان يعظ الشعب ويبشرهم (يو
3: 18). وهذا أيضا أيده متي
الإنجيلي بقوله: وفي تلك الأيام جاء
يوحنا المعمدان يكرز في برية اليهود قائلا:
توبوا لأنه قد اقترب ملكوت الله (مت
3: 1).
إن الكرازة والتعليم هما العمل الذي أوصي به الرب رسله
وتلاميذه:
إن ألاثني عشر أرسلوا ليكرزوا بملكوت الله (لو
9: 20), وهكذا السبعين (لو
10: 9).
فلما خرجوا كانوا يجتازون في كل قرية ويبشرون ويشفون
في كل موضع (لو9: 6). وهذا هو ما
تذكره بطرس الرسول عندما قال:
وأوصانا أن نكرز للشعب ونشهد (أع
10: 42).
وكما أوصاهم الرب بهذا أثناء تدريبه لهم هكذا أيضا أمرهم
بهذا قبل صعوده اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم...وعلموهم
أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به (مت
28: 20,19). وقال لهم:
اذهبوا إلي العالم أجمع,
واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها (مر
16: 15). ويستطرد معلمنا مرقس قائلا:
وأما هم فخرجوا, وكرزوا في
كل مكان. والرب يعمل معهم,
ويثبت الكلام بالآيات التابعة (مر16: 20).
وكما حدث مع ألاثني عشر, حدث مع
بولس أيضا أنه يقول صراحة: لأن
المسيح لم يرسلني لأعمد, بل لأبشر
(1 كو 1: 17).
لذلك يقول بولس: فويل لي إن
كنت لا أبشر (1 كو
9: 16).
ويتذكر هذه المسئولية في رسائله فيقول:
والكرازة التي اؤتمنت أنا عليها,
بحسب أمر الله مخلصنا (تي
1: 3).
كما يقول أيضا: إذن نسعى كسفراء عن المسيح,
كأن الله يعظ بنا. نطلب عن
المسيح: تصالحوا مع الله (1
كو 5: 20).
وهكذا نفذ الرسل الأمر, وعاشوا للكرازة
والوعظ والتعليم:
كانوا لا يزالون كل يوم في الهيكل وفي البيوت معلمين ومبشرين
بيسوع (أع 5: 42).
وكانوا يتكلمون بكلام الله بمجاهرة (أع
4: 31). منذ يوم الخمسين بدئوا
بالتعليم فيقول الكتاب عن بطرس:
وبأقوال أخر كثيرة كان يشهد لهم ويعظهم (أع
2: 40). وعند سيامة الشمامسة السبعة,
تذكر الرسل عملهم فقالوا:
وأما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة (أع
7: 4.
وهكذا قال عنهم لوقا الإنجيلي:
كانوا منذ البدء معاينين وخداما للكلمة (لو
1: 2) وقال إن الشعب كانوا يواظبون على تعليم الرسل
(أع 2: 42).
من أجل هذا نقرأ تلك العبارة الخالدة في تاريخ الكنيسة
وكانت كلمة الله تنمو, وعدد التلاميذ
يتكاثر جدا (أع 6: 7) حتى تضجر اليهود
ورؤساؤهم من تعليم الرسل للشعب (أع
4: 2) ولأنهم ملئوا المدينة بتعليمهم (أع
5: 28).
بكل مثابرة وقوة, كان الرسل يعظون
ويخدمون الكلمة. كنا نعظ كل واحد
منكم كالأب لأولاده, ونشجعكم ونشهد
لكم لكي تسلكوا كما يحق لله... (1
تس 2: 11). بولس الرسول يتكلم
وأطال الكلام إلي نصف الليل (أع
20: 7). وبطرس ويوحنا يصرخان نحن لا يمكننا أن لا نتكلم
بما رأينا وسمعنا (أع 4: 20).
والرب نفسه يأمر بولس بهذا لا تخف,
بل تكلم ولا تسكت, لأني أنا
معك (أع 18: 9).
ونفذ بولس هذا, وظل يكرز بملكوت
الله بكل مجاهرة, بلا مانع (أع
28: 30) كما فعل في تأسيسه لكنيسة رومه.
ويعوزنا الوقت إن تكلمنا عن برنابا (ابن الوعظ)
وسيلا وغيرهما...
حتى الرسائل كانت للوعظ والتعليم يقول يهوذا الرسول (يه
3): أكتب إليكم واعظا أن تجتهدوا
لأجل الإيمان المسلم مرة للقديسين.
ويقول بطرس: كتبت إليكم بكلمات
قليلة واعظا (1 بط
5: 12).
الكرازة والتعليم هما عمل الآباء الأساقفة:
إن بولس الرسول إلي تلميذه تيموثاؤس الأسقف يقول له:
أعكف على القراءة والوعظ والتعليم (1تي4: 13),
وأيضا لاحظ نفسك والتعليم وداوم على ذلك.
لأنك إذا فعلت هذا تخلص نفسك والذين يسمعونك أيضا
(1 تي 4: 16).
أكرز بالكلمة. أعكف على ذلك
في وقت مناسب وغير مناسب. وبخ, انتهر
عظ
بكل
أناة وتعليم
(2 تي 4: 2).
اعمل عمل
المبشر.
تمم خدمتك
(2 تي 4: 5).
علم وعظ بهذا (1تي6: 2).
ويرسل إلي تلميذه تيطس الأسقف قائلا:
تكلم بهذا وعظ (تي 2: 15).
وأما أنت
فتكلم بما يليق بالتعليم الصحيح...مقدما في التعليم نقاوة
ووقارا وإخلاصا, وكلاما صحيحا غير ملوم
(تي 2 :1-7).
لهذا كله يقول بولس الرسول (1 تي
3: 2).
يجب أن يكون الأسقف صالحا للتعليم
ويقول في رسالته إلي تيطس (1: 9):
يجب أن يكون الأسقف ملازما للكلمة الصادقة التي بحسب
التعليم, لكي يكون قادرا أن يعظ بالتعليم الصحيح ويوبخ
المناقضين. وقد أسهب الباب الثالث
من الدسقولية في هذا الموضوع, وورد فيه يجب أن يكون
الأسقف مملوءا من كل تعليم, أديبا, درب اللسان. ويكون حي
القلب في التعليم, يعلم في كل وقت.ويتلو ويدرس في كتب
الرب ويتأمل الفصول, لكي يفسر الكتب بتأمل...ليوص الأسقف
العلمانيين بثبات ويعظهم. وتتدرج الوصية إلي الأمر. فتقول
الدسقولية: اهتم بالكلام يا أسقف. أشبع شعبك وأروه من
نور الناموس, فيغني بكثرة تعاليمك. وتشرح الدسقولية دينونة
الأسقف في إهمال التعليم فتقول: إذا لم توصوا أيها الأساقفة
الشعب وتشهدوا لهم بالتعليم فخطية الذين لا يعرفون عليكم
(حز 33:2-9).
ما أصعب وأخطر القوانين التي وضعها الآباء الرسل على
الأسقف الذي لا يهتم بالتعليم. قلمي يرتعش من كتابتها. سأتركها
إلي حين...
آباؤنا الأساقفة القديسون كانوا وعاظا ومعلمين:
ما أجمل تاريخ آبائنا الأساقفة القديسين في الاهتمام بالتعليم.
أثناسيوس ألرسولي كان يجول من مكان إلي آخر معلما,
ومثبتا الناس في الإيمان السليم, ومحاربا خطر الأريوسية.
وهكذا كان القديس كيرلس عمود الدين في دقة تعليمه
ومحاربته للنسطورية. ومثلهما في فهم
الإيمان والدفاع عنه معلمنا ديسقورس (البابا 25) الذي قاوم
مجمع خلقدونية, والقديس ساويرس بطريرك
أنطاكية الذي جال 28 سنة في المدن والقرى يثبت قواعد
الإيمان ويرد على أسئلة السائلين...
هل أتكلم أيضا عن القديس يوحنا بطريرك القسطنطينية الذي
من جمال عظاته لقبوه ذهبي الفم؟
أم أتكلم عن القديس أغريغوريوس أسقف نيازينزا الذي من
قوة حجته لقبوه الثيئولوجوس أي الناطق بالإلهيات؟
أم أتكلم عن عظات أوغسطينوس أسقف هبو ومقالاته ورسائله؟
أم عن القديس أيلاري أسقف بواتييه الذي من قوته في
اللاهوتيات لقبوه أثناسيوس الغرب؟ أم أتكلم عن باسيليوس
الكبير؟ أم عن كيرلس أسقف أورشليم؟
أم أغريغوريوس أسقف نيصص؟ أم كبريانوس
أسقف قرطاجنة, أم أمبروسيوس أسقف ميلان...
كل واحد من هؤلاء كان-حسب تعبير بولس الرسول:
مفصلا كلمة الحق بالاستقامة:
هؤلاء الأساقفة وأمثالهم, كانوا معلمي
المسكونة,وأبطال الإيمان. ولا تزال عظاتهم
وتعاليمهم ورسائلهم مراجع لنا في الإيمان.
يجب أن يكون الأسقف صالحا للتعليم, لأنه أيضا -
كعضو في المجمع المقدس - مؤتمن
على التشريع والتقنين ومحاربة البدع وشرح الإيمان.
|