الكهنــــــوت
تعهد الكاهن القبطي الأرثوذكسي ومسؤوليته على حسب قوانين المجمع المقدس ملحق رقم (١٤)
أنا الضعيف (فلان) المدعو لنعمة الكهنوت على المذبح المقدس في كنيسة ........................................
أتعهد أمام الله رب الأرباب وراعي الرعاة وأمام ملائكة وقديسيه، وأمام أبي قداسة البابا شنودة الثالث وأمام الإكليروس وكل الشعب.
بأن أثبت على الإيمان الأرثوذكسي إلى النفس الأخير. وأن أحترم قوانين الكنيسة المقدسة وأحافظ على تقاليدها وطقوسها وتعاليمها. وأن أبذل كل جهدي في تعليم الشعب بإيمان سليم، وقيادته في حياة القداسة والبر، وأكون أنا نفسي قدوة له في كل عمل صالح.
وأتعهد بأن أحب الرعية. وأعاملها بالرفق والحكمة، وأبذل ذاتي في افتقاد الشعب والاهتمام به من كل ناحية حسب طاقتي، وأن أبحث عن الضال وأسعى لرده، وأجمع خراف الله المتفرقة، ولا أغفل عن العاجزين والمنطرحين والذين ليس لهم أحد يذكرهم، وأن أكون طويل الروح، واسع الصدر في معاملة الناس، ولا تكون لي منهم جماعة مختارة بل أهتم بالكل.
وأتعهد بأن أضع صالح الكنيسة فوق كل اعتبار. وأن أبعد عن محبة المال وعن محبة النصيب الأكبر، ولا أتعالى على الشعب، ولا أهملهم ولا أكلفهم بما لا يطيقون. ولا آمرهم بما يخالف وصية الرب، ولا أرفض التائب إذا رجع. ولا أقصر في خدمة أحد منهم.
وأتعهد بأن أخضع لرئاسة الكهنوت ممثلة في قداسة البابا البطريرك مع احترامي وتوقيري لشركائه في الخدمة الرسولية الآباء المطارنة والأساقفة.
وأطلب من الرب أن يهبني قوة بصلواتهم حتى أقوم بهذه المسئولية الخطيرة وأؤدي بأمانة كافة ما يطالبه مني عمل الكهنوت الجليل.
صلوا عني يا آبائي وأخوتي القديسين. ها ميطانية لكم جميعا
<><><><><><><><><><><><><><><><><><><><><>
واجبات الكاهن واستعداده
حسب التقليد والطقس القبطي بكنيستنا من صفحة رقم ٧٠، ٧١، و٧٢ بكتاب منارة الأقداس الفصُل السادس
يكفي أن يعلم الكاهن انه سيكون في حضرة الرب. وانه سيحمل السرائر الإلهية التي تستحي الملائكة أن تراها، بل يسترون وجوههم من بهاء عظمة مجده. يكفي هذا إن يستحث الكاهن إلى مضاعفة الاستعداد وطلب العون من الله ليكون مستحقاً أن يدنو من المائدة الرهيبة.
فيجب على الكاهن: أولا – أن يستعد جسديا وهذا بالبعد عن زوجته إن كان متزوجاً وان تكون ثيابه نظيفة لائقة بكرامة الخدمة.
ثانيا – يستعد روحيا فيطهر قلبه من الأحقاد وروحه من الخطايا وعقله من الأفكار العالمية، وهذا بالالتجاء إلى الله وطلب النعمة والمغفرة.
والحق إن الكاهن لو ارتكن إلى بره الذاتي لما كان مستحقا مهما كان لان يتقدم إلى هذه السرائر الرهيبة، ولكن بمعونة الله ورحمته، وبانسحاق الروح وبطيبة القلب، يتقدم الكاهن متكلا على الله ويؤدى خدمة القداس الجليلة.
وليس معنى هذا انه يمكن للكاهن أن يتقدم إلى المائدة الربانية وهو خاطئ. ففي هذا تحذير خطير ذكره القديس اكليمنضس الاسكندى يصف فيه مثل هذا الكاهن الخاطئ فقال (( يا له من نفاق رجل يختلس الها )) وقال القديس ارونيموس مشفقا على هذا الكاهن (( ناشدتك الله يا من هذا الحال حالك أن ترحم نفسك وان كنت لا تريد أن تتوب حيا بالسيد المسيح، فتب اقل ما يكون خوفا من هلاك الأبدي، وراث لغباوتك فمثلك مثل إنسان أحمق ماض إلى ينبوع الحياة لكي يشرب سما زعافا))
وليس الخطأ المميت هو ما يجب أن يحذره الكاهن بل ليحذر جميع الخطايا لئلا يدان، فان الشخص العادي الذي يتناول الأسرار بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب (١ كو ١١: ٢٩) فكم يكون عقاب الكاهن المستهتر اشد هولا ؟!
يذكر تاريخ الكنيسة حادثة وردت في سيرة القديس سمعان العامودى، أن قسا في بلاد العرب كان جالسا في الكنيسة وإذ بشيطان في سحابة مظلمة يمر أمامه وفي يده عصا انهال بها ضربا عليه، فأصيب بالعمى وضعف جسمه وخرس لسانه وأصبح بين حى وميت، وبقى هكذا تسعة أشهر ولم يكن في استطاعته أن يتحرك فأحضروه إلى القديس سمعانا لعامودى فقال له إن الله سمح للشيطان أن يجربك لأمرين: أولا لأنك كنت تدخل المذبح المقدس بغير خشوع ولا وقار بل بكبرياء واحتقار. وثانيا لأنك كنت تسمع الوشاية في حق الغير.. فتاب هذا الكاهن وشفى بصلاة القديس.
والكهنة كما يصفهم القديس أغناطيوس في رسالته الرابعة قائلا ((إنهم خدام الله وفم المسيح)) ويجب أن يحافظوا على كرامة الكهنوت وطهارته في فعلهم أو قولهم أو فكرهم. ثالثا – أن ينفذ جميع القوانين الكنسية ومنها ما جاء في الدسقولية ((وان تعدى احد من القسوس والشمامسة فأدخل المرأة الحائض إلى الكنيسة، أو دفع لها القربان في أيام حيضها فليسقط من درجته ولو كانت من نساء الملوك).
وفى قانون (رسطج ٢) (( ولا يدخل كاهن إلى المذبح المقدس بلبن ولا بعسل ولا بطائر ولا بحيوان آخر. وأي كاهن قد دخل بشيء من غير أمر الله فليقطع، إلا زيت المنارة الطاهرة وبخور في وقت القداس الطاهر)).
واجباته أثناء القداس: وعلاوة على استعداد الكاهن وتأهيل ذاته لصلاة القداس، عليه واجبات أثناء الصلاة نفسها فيجب عليه:
أولا – أن يجمع حواسه وانتباهه إلى السر العظيم ويجب أن ينظر باهتمام حلول جسد الرب ودمه الاقدسين. قال رب المجد ((لتكن احقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة.. طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين)) (لو ١٢: ٣٥) وليفكر في أبواب السماء المفتوحة وملائكة الله النازلة، والتي ترفرف فوق المذبح وان ابن الله ماثل أمامه وان الأب يتأمل من سماه، وان الروح القدس حاضر، من أجل ذلك وضعت البيعة أمام الكاهن في الفجوة الشرقية صورا سامية لكي يفرح الكاهن في هذه الأمور حتى لا ينشغل بأمور العالم.
ثانيا – أن يصلى برهبنة واحتشام بلا عجب ولا لذة. جاء في القانون (بس ٩٧) والذين يرتلون على المذبح لا يرتلون بلذة بل بحكمة.
ثالثا – أن يصلى بأناة دون سرعة أو مضايقة، كذا دون تكاسل بل بنشاط، قيل إن احد الآباء الأفاضل دخل البيعة في صباح يوم فوجد الكاهن يصلى القداس بسرعة ومضايقة كأنه يريد أن يتخلص من عمل مضني، فدخل هذا الأب إلي الهيكل بغاية الخشوع ولورع، فرأى الكاهن يمسك الجواهر بغير احترام فقال وهو يلتهب غيرة ((عامله يا أخي بإكرام جزيل لأنه حقا ابن لأب وأم يستحقان الإكرام)).
القائد المسيحي
القائد المسيحي بالمنظار الأرثوذكسي متعدد الأدوار خاصةً عند ظهور تعدد الآراء والأفكار. فدور القائد، أسقفاً كان أو كاهناً، هو في مقاربة كل الأمور، الروحية والزمنية منها إذا صحّ التمييز، بصدق وحكمة حتى يخرج الكل منها أكثر نضجاً وقداسة.
المثال في القيادة المسيحية هو السيد يسوع المسيح. ليس لأحد أن يتمثّل غيره حتى ولو تقدّم على كل البشر. القائد المسيحي، مثل معلمه، أتى ليخدِم لا ليُخدَم. رؤساء الأمم يسودون عليهم أما القائد المسيحي فيخدم ويكون أول الخادمين. "من أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن للكل خادماً"، بهذا حدّد السيد القيادة المسيحية، قيادة خادمة متواضعة، تغسل أرجل الباقين دون أن تتوقع أي مقابل. قد تكون أفضل صورة للقائد في الكتاب المقدس هي صورة الراعي، خاصةً عندما يترك التسعة والتسعين ويسعى وراء الواحد المفقود. قلة هم الذين يذكرون هذه الصورة التي لم يحب السيد غيرها فمارسها بسلطان أخذه من الآب. ولأن هذه هي صورة القيادة عند المسيح، فقد هاجم الفريسيين والكتبة مسمياً إياهم باللصوص والسارقين لأنهم مارسوا السلطة على المؤمنين وليس بينهم. السلطة يمارسها القائد في الكنيسة وليس عليها.
على هذا الأساس يجب أن يمارس القادة الروحيون، الكهنة وخاصةً الأساقفة، دورهم القيادي في الكنيسة. فهم أصحاب سلطة إلهية للقيادة والتعليم والإرشاد والتنظيم ولكن على طريقة المسيح أي في المحبة والخدمة وليس في أي اهتمام شخصي أو رغبة أخرى. في عبرانيين ١٣:١٧ يطلب منا الرسول أن نطيع مدبرينا، ولكن أيضاً أن نخضع لهم، أي أن نتمثل بهم ونتعلم منهم. المثال هو الطريقة الأكثر إقناعاً وتعليماً في الحياة.
لكن كل هذا لا يغني الكنيسة عن القوانين المقدسة. مشكلة المشاكل اليوم في كنيستنا هي أن كل مسئول صار يعتبر "التدبير" من صلاحياته فصارت أغلب القوانين هي الشواذ وصار القانون ما يستنسبه هذا الأسقف أو ذلك الكاهن. صحيح أن الحرف يقتل والروح يحيي، وصحيح أن القوانين ممكن الاجتهاد في تفسيرها، لكن الأصح هو أن شيئاً لم يوجد من دون هدف وأن ما نسميه قوانين وجد ليفعّل روح الكنيسة في المحبة والحكمة والإقناع التي من دونها يصبح اللجوء إلى القوانين شراً أكبر. من هنا ضرورة أن يأخذ كل شخص مكانه.
كل الأدوار في الكنيسة تنشأ من الخدمة الإفخارستية. الأسقف هو شخص إفخارستي. دوره القيادي ينبع من أنه يترأس القداس الإلهي وكل مهامه الأخرى من تعليمية وإدارية تُفسَّر على ضوء دوره كمقيم للذبيحة. لهذا السبب ليس لأي كاهن أن يأخذ دور الأسقف. هذا ينطبق على كل الأمور، بدءً بذكر الأشخاص في الدورة الكبرى انتهاءً بكل القرارات التي يتفرد بها الكهنة من قبول أي عرّاب إلى المشاركة في أي جناز أو عرس في أي كنيسة وفي أي مكان.
وانطلاقا من كل هذا، لا يمكن تناسي دور الشعب، أي غير الكهنة. فالمؤمنون غائبون أحياناً ومغيّبون أحياناً أخرى. غائبون عندما لا يسألون القيّمين عليهم من أساقفة وكهنة عن ماذا يفعلون, ومغيّبون عندما يتصرف الكهنة والأساقفة وكأن الشعب لا يعرف ما هو الإيمان ولا هو مسئول عن الحفاظ عليه. كما أنه لا يمكن للأسقف أو للكاهن أن يقيم القداس من دون المؤمنين، كذلك عليه أن يعطي تفسيراً لكل قرار أو رأي يصدر عنه. كنيستنا لا تشرّع البابوية وإن كان هناك مَن يمارسها.
موضوع القيادة في الكنيسة، سلطة القادة وحدودها، واجباتهم وحقوقهم، هذه كلها أمور قد يكون عيشها أفضل من الحديث عنها، ليس تلافياً لحديث محرج بل سعياً إلى اختبار بنّاء ما زالت كنيستنا تعيشه منذ ألفي عام. إن لم نسعَ إلى هذه الخبرة قد نفقدها مع ما تحمله من القداسة لكل المؤمنين.
الرعاية
الرعاية في الكنيسة الأرثوذكسية مرتبطة بالأبوة وعلى شكلها. من هنا أنها علاقة في الاتجاهين، خاصةً في حدود الرعية. فالراعي، أي الكاهن، يُرعى (بضم الياء) ويَرعى (بفتح الياء). ورعاية الكاهن ليست مسؤولية الأسقف وحده، بل للرعية أيضاً دور مهم فيها. أن يتقدم المؤمنون من الكاهن ليعطوا ملاحظة أو يتساءلوا أو يساءلوا بمحبة واحترام بنويين، وأن يقبل الكاهن كل ملاحظة ويجيب على كل سؤال ويوضح أي تساؤل بتفهم ومحبة أبويين، يعني أن العلاقة في نصابها الصحيح. بالتأكيد حدود الأمر ليست حدود علاقة فقط، فقد تكون العلاقة على أفضل ما يرام بينما الطرفان على خطأ. ليس هذا المقصود ولا المطلوب. فالرعية هي جماعة والمسيح في وسطها. من هنا لا ينبغي بالكاهن أن يضحي بما هو أساسي حفظاً للعلاقة مع الرعية. أمور الرعية يجب أن تكون دائماً بلياقة وترتيب. القوانين التي وضعتها الكنيسة ليست للملكوت بل للأرض. كل ما في الملكوت لائق ومرتب ولا حاجة له إلى قوانين. هناك حالات كثيرة يُحرج فيها الكاهن ويكون مخرجه مخالفة القانون بحجة التدبير. لا يليق أن يصبح التدبير القاعدة والقانون الشواذ. لا يليق أن يضحي الآباء بقانون المعمودية ويقبلوا بعراب غير أرثوذكسي كي يرضى هذا أو ذاك. كما لا يليق أن يختصر الآباء في أي خدمة أو يغيروا تسلسل أي خدمة إرضاءً لهذا أو ذاك. الكاهن حامل لوديعة ينبغي أن يكون أميناً عليها لأنها سوف تُطلب منه يوم الدينونة. إن خشي الكاهن من أن "يحرض" أبناؤه عن غير حق، يكون سالكاً في ضعف معطلاً النعمة التي تلقاها يوم السيامة والتي تكمل كل ضعف. على الكاهن والرعية معاً أن يفهموا أن الكاهن ليس موظفاً ليتورجياً، وإلا لهانت السيمونية عليه وصارت الخدم مهمات لكل منها تسعيرتها. عندها ينتقل الكاهن، عن غير قصد، من خطأ إلى خطأ وتنتقل الرعية معه.
حفظ استقامة الإيمان هو مسؤولية الرعية كلها. إن أراد الكاهن أن يختصر في خدمة فيحذف إفشيناً من هنا أو طلبة من هناك، فينبغي على كل واحد من المؤمنين أن يعطي ملاحظة أو يساءل أو حتى أن يقصد الأسقف، حفظاً للإيمان ومحبة بالكنيسة. هذا الأمر ينطبق على كل الخدم، القداس الإلهي، المعمودية، الإكليل والجنازة غيرها.
اهتمام الرعية بالكاهن ليست حدوده راتباً تقدمه أو بيتاً يأويه مع أولاده وزوجته. إن انتهت مهمة الرعية عند هذا، يتحول مجلس الرعية إلى سيف على رقبة الراعي يشده إلى الأرض بدل أن يكون جانحاً يرفعه إلى السماء، حتى يرفع الرعية معه. إلى جانب كل هذا، على الرعية أن لا تنسى، كاهناً ومؤمنين، أن الأسقف هو القاطع كلمة الحق بصواب وأنه هو صورة المسيح. علاقة الرعية به لا تُحصر بزيارة في عيدها إضافة إلى بعض الجنازات، بل تتعداها إلى حياة تُتبادل وتُعاش.
الرعاية فن وعلم في وقت واحد. فهي فن لأنها ترتكز إلى موهبة يزرعها الروح القدس في كل من المعنيين. وهي علم لأنها طب إذا صح أداؤه يؤدي إلى الشفاء الروحي والخلاص. الرعاية عمل جماعة تحيا معاً في المسيح، إلى أن تقف كفرد أمامه.
|